أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
49
العقد الفريد
والمضل ناشد ؛ ولو خضت إليها النار ما ألمتها . قال : وسمعت أعرابيا يقول : الهوى هوان ولكن غلط باسمه ، وإنما يعرف من يقول ، من أبكته المنازل والطول . وقال أعرابي : كنت في شباب أعضّ على الملام ، عضّ الجواد على اللجام ، حتى أخذ الشيب بعنان شبابي . وذكر أعرابي امرأة فقال : إن لساني لذكرها لذلول ، وإن حبّها لقلبي لقتول ، وإن قصير الليل بها ليطول . وصف أعرابي نساء ببلاغة وجمال ، فقال : كلامهنّ أقتل من النبل ، وأوقع بالقلب من الوبل بالمحل ؛ فروعهنّ أحسن من فروع النخل . ونظر أعرابي إلى امرأة حسناء جميلة تسمى ذلفاء ، ومعها صبي يبكي ، فكلما بكى قبلته ؛ فأنشأ يقول : يا ليتني كنت صبيّا مرضعا * تحملني الذّلفاء حولا أكتعا « 1 » إذا بكيت قبّلتني أربعا * فلا أزال الدهر أبكى أجمعا وأنشد أبو الحسن علي بن عبد العزيز بمكة لأعرابي : جارية في سفوان دارها * تمشي الهوينا مائلا خمارها « 2 » قد أعصرت أو قد دنا إعصارها * يطير من غلمتها إزارها « 3 » العتبي قال : وصف أعرابي امرأة حسناء ، فقال : تبسم عن خمش اللثات « 4 » ، كأفاحي النبات ، فالسعيد من ذاقه ، والشقي من راقه . وقال العتبي : خرجت ليلة حين انحدرت النجوم وشالت أرجلها ؛ فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر ، فإذا بجارية كأنها علم ، فجعلت أغازلها ، فقالت : يا هذا ، أمالك ناه من كرم ، إن لم يكن لك زاجر من عقل ! قلت : واللّه ما يراني إلا
--> ( 1 ) حولا أكتع ، أي تاما . ( 2 ) سفوان : ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة . ( 3 ) المعصر : التي قد بلغت عصر شبابها وأدركت . ( 4 ) لثة خمشة : حسنة دقيقة .